في مجتمعاتنا، كثيرًا ما تُراقَب المرأة بعد الطلاق بعين الريبة، ويُفسَّر أي تغير في سلوكها أو مظهرها أو قراراتها على أنه تمرد وخروج عن الأعراف. لكن السؤال الأصدق ليس: لماذا تتمرد المرأة بعد الطلاق؟ بل لماذا يخاف المجتمع من امرأة أعادت تعريف نفسها خارج إطار الزواج؟
الطلاق ليس مجرد نهاية علاقة زوجية، بل زلزال نفسي واجتماعي يعيد تشكيل الهوية الإنسانية. المرأة التي عاشت سنوات في دور الزوجة والأم والشريكة، تجد نفسها فجأة أمام سؤال وجودي: من أنا الآن؟ وهذا السؤال يدفعها، طبيعيًا، إلى إعادة بناء ذاتها، واستعادة صوتها، وصياغة حياتها وفق اختياراتها الشخصية.
القرآن الكريم لم ينظر إلى الطلاق بوصفه وصمة أو نهاية كرامة، بل جعله حلًا إنسانيًا حين تستحيل المعاشرة، فقال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. هذه الآية تختصر فلسفة أخلاقية كاملة: حتى في الانفصال يجب أن تُحفظ الكرامة. فلماذا نصرّ اجتماعيًا على انتزاع هذه الكرامة من المرأة المطلقة؟
ما يُسمّى تمردًا بعد الطلاق غالبًا هو شكل من أشكال التحرر النفسي المشروع. فالمرأة تبدأ في الاهتمام بنفسها، توسّع علاقاتها، تطارد أحلامًا مؤجلة، وتضع حدودًا لما تقبله وما ترفضه. هذه ليست مظاهر تمرد سلبي، بل علامات وعي ونضج واستقلال. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾، والتغيير هنا ليس خطيئة بل شرط للنهوض.
المفارقة أن المجتمع يقبل تغير الرجل بعد الطلاق بوصفه بداية جديدة، بينما يضع المرأة تحت مجهر أخلاقي صارم. يُسمح له بالزواج مجددًا دون مساءلة، وتُسأل هي عن كل ابتسامة وكل خطوة. هذا الكيل بمكيالين لا يستند إلى دين ولا عدالة اجتماعية، بل إلى إرث ثقافي ذكوري يخشى استقلال المرأة أكثر مما يخشى الظلم.
القرآن يؤكد أن الطلاق ليس نهاية الرزق ولا الحياة، بل قد يكون بابًا لفرج جديد، بقوله تعالى: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ﴾. فلماذا نغلق نحن أبواب الحياة أمام المطلقة باسم العادات والتقاليد؟
إن وصف المرأة المطلقة بالمتمردة ليس سوى محاولة لإبقائها في إطار الخضوع الاجتماعي، وكأن المطلوب منها أن تعتذر عن انفصال لم يكن دائمًا خيارها وحدها. التمرد الحقيقي ليس في أن تعيش المرأة حياتها، بل في أن يظل المجتمع متمردًا على قيم العدالة والرحمة التي دعا إليها الدين.
ختامًا، الطلاق ليس نهاية المرأة ولا سقوطها الاجتماعي، بل قد يكون بداية وعي جديد ونقطة انطلاق نحو حياة أكثر توازنًا ونضجًا. المرأة التي تغيّر مسار حياتها بعد الطلاق لا تتمرد على المجتمع، بل تتمرد على الألم والقيود والصمت. وبينما يستمر البعض في محاكمتها بنظرات الشك والأحكام المسبقة، تبقى الحقيقة أن إنصاف المرأة المطلقة ليس قضية نسوية فقط، بل قضية عدالة إنسانية وأخلاقية ودينية. فالمجتمع الذي يمنح أفراده حق النهوض بعد الانكسار هو مجتمع أكثر رحمة ونضجًا، وأكثر قدرة على بناء إنسان سليم نفسيًا واجتماعيًا.
بقلم: فدوى عبد الحي




