
ياسر بن عبدالعزيز المسعود (*)
تبنت المملكة العربية السعودية «رؤية 2030» الطموحة لتحقيق أهداف رئيسة، أبرزها: التنويع الاقتصادي، وإضفاء الميزة التنافسية للصناعة المحلية، ودعم سوق العمل وتوفير مئات الالاف من الوظائف. يهدف هذا التوجه الوطني إلى إيجاد مصادر دخل جديدة، وضمان معدلات نمو مستدامة خلال السنوات المقبلة. (الدبيان، 2018).
لذا، شجعت المملكة العربية السعودية الاستثمار الأجنبي كركيزة مهمة لتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة، خاصةً في إطار «رؤية 2030»؛ إذ تُعدّ الاستثمارات الأجنبية ذات منافع جمة مما يُعزز مكانتها في الأوساط الاقتصادية والقانونية على حد سواء؛ حيث تُسهم في تنويع الاقتصاد، وتقليل الاعتماد على النفط، من خلال ضخ استثمارات في قطاعات حيوية كالتكنولوجيا، والطاقة المتجددة، والسياحة. كما تُسهم في نقل التكنولوجيا والمعرفة، وتحديث الصناعات المحلية، وتعزيز الابتكار، وإيجاد فرص عمل جديدة للسعوديين، بما يُساعد في خفض معدلات البطالة وزيادة الدخل الفردي، وفقًا للأهداف الرسمية التي تستهدف توفير مئات الآلاف من الوظائف.
وبما أن التعليم هو المحرّك الرئيس للتنمية، لما له من دورٍ أساسي في بناء الكفاءات البشرية؛ فإن الاستثمار في الفكر الاقتصادي، وخاصةً الفكر القانوني الاستثماري، يُعد أولويةً لتطوير طلاب القانون، وذلك لتمكينهم من الإسهام في تحقيق الأهداف التنموية للدولة ومواكبة التغيرات العالمية. ونظرًا لكون التعليم نظامًا مفتوحًا متأثرًا بالبيئة المحيطة، فإنّ إضافة مقرراتٍ حول الاستثمار الأجنبي إلى مناهج القانون ضروريٌ لفهم آليات عمله وأثره، بما يُسهم في تحقيق الأهداف الاستثمارية للمملكة (عبدالله، 2024).
ولضمان فعالية التعليم، لا بد من توفير تدريب عملي مكثف لطلاب القانون، وهذا يتطلب التعاون بين الجامعات السعودية وقطاع المحاماة، والمؤسسات القانونية، والمراكز المتخصصة، لتوفير فرص تدريب عملية تركز على موضوعات القانون ذات الصلة بالاستثمار الأجنبي وكذلك الجوانب العملية التطبيقية، وهذا النهج يمكن طلاب البكالوريوس والدراسات العليا من التعامل مع قضايا استثمارية واقعية، مما يُعزز فهمهم النظري ومهاراتهم العملية. وتجدر الإشارة إلى جهود بعض الجامعات في تدريس مقرر الاستثمار الأجنبي مقتصرةً على مرحلة الدراسات العليا.
إذ إن هناك حاجة ملحة لإعداد مفكر قانوني سعودي يتمتع بفهم عميق للفكر الاستثماري، بما يُسهم في تحقيق رؤية المملكة 2030. ويجب أن يتمتع هذا المفكر بالوعي الكافي لمواجهة التحديات، وتقديم الحلول المبتكرة، وأن يكون قادراً على تلبية احتياجات المجتمع، ورعاية مصالحه، ويتأتى ذلك من خلال تدريس مقرر للاستثمار الأجنبي في الجامعات السعودية (بكالوريوس ودراسات عليا)، بما يشمل الأنظمة الدولية (اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، واتفاقيات الاستثمار الثنائية)، والقواعد القانونية والسياسات المحلية الخاصة بالاستثمار الأجنبي، والتشريعات المتعلقة بها، بالإضافة إلى دراسة إدارة المنازعات الاستثمارية عبر التحكيم الدولي والمحاكم التجارية، بما يتوافق مع الأنظمة المحلية والدولية.
ويمتد المقرر ليشمل الجوانب المتعددة للاستثمار الأجنبي، من خلال التعرف على أنواعه المختلفة؛ كالاستثمار المباشر وغير المباشر، وتسليط الضوء على الحوافز الاستثمارية التي تقدمها المملكة العربية السعودية لجذب الاستثمارات الأجنبية. وتشمل هذه الحوافز: الإعفاءات الضريبية، والتسهيلات الجمركية، وتوفير الأراضي الصناعية، إلى جانب دراسة القيود التي تفرضها الدول على الاستثمار الأجنبي، مثل: القيود القطاعية والحدود المفروضة على الملكية الأجنبية. يهدف هذا النهج الشامل إلى تمكين الطلاب من فهم عميق ومتكامل لديناميكيات الاستثمار الأجنبي وتعقيداته.
ختامًا، يُعد تدريس مقررات الاستثمار الأجنبي في كليات القانون بالمملكة العربية السعودية في مرحلتيْ البكالوريوس والدراسات العليا ضرورة استراتيجية لتحقيق رؤية 2030، يُسهم في إعداد جيل قانوني واعٍ، قادر على فهم التحديات الاستثمارية العالمية وتقديم حلول مبتكرة، حيث يمكّن التعليم المتكامل الطلاب من الإسهام في حماية التنمية الاقتصادية وتعزيز القدرة التنافسية للمملكة، ليصبحوا شركاء أساسيين في رحلة التحول الوطني، حاملين مشعل التطوير والابتكار في المشهد الاقتصادي العالمي، وذلك من خلال إخراج جيل جديد من القانونيين الوطنيين ذوي فكرٍ عالمي متخصصين بالاستثمار الأجنبي، مزودين بالمهارات التي يحتاجها سوق العمل الحالي والمستقبلي، مما يساعد على تعزيز العلامة الاستثمارية السعودية على الساحة الدولية.
(*) مؤسس شركة تقاضي العالمية للمحاماة والاستشارات القانونية