أكد الخبير في مجال الخدمات اللوجستية عزام محمد الحربي أن قطاع الشحن في منطقة الخليج والبحر الأحمر يشهد تحولًا استراتيجيًا غير مسبوق، نتيجة التوترات الجيوسياسية التي أثرت بشكل مباشر على حركة الملاحة الدولية، خاصة في الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب.
وأوضح الحربي أن هذه التطورات دفعت شركات الشحن العالمية إلى إعادة رسم خطوطها الملاحية، والاعتماد على مسارات بديلة أكثر أمانًا، ما أدى إلى تغيرات جوهرية في خريطة النقل البحري، وارتفاع ملحوظ في تكاليف التشغيل والتأمين البحري ومدد الرحلات. وأضاف أن أي اضطراب في هذه الممرات الاستراتيجية ينعكس بشكل مباشر على أسعار الشحن والخدمات اللوجستية المرتبطة به.
وكشف أن تكاليف التأمين البحري، خصوصًا تأمين مخاطر الحرب (War Risk Premium)، شهدت ارتفاعات حادة، حيث قفزت من مستويات تتراوح بين 0.01% و0.05% من قيمة السفينة أو الشحنة قبل التوترات، إلى ما بين 0.2% و0.5% خلال فترات التصعيد، وقد تتجاوز ذلك في بعض الحالات.
وأشار إلى أن هذه الزيادات تعني عمليًا أن ناقلة بقيمة 100 مليون دولار، كانت تدفع نحو 50 ألف دولار للتأمين، أصبحت تتحمل ما بين 200 ألف إلى 500 ألف دولار لكل رحلة، مع تسجيل حالات وصلت فيها الزيادة إلى أكثر من 1000%، وتجاوزت تكلفة التأمين الإضافي في بعض الرحلات مليون دولار.
وبيّن الحربي أن التأثير لا يقتصر على التأمين فقط، بل يمتد إلى تكلفة الشحن المباشرة، حيث ارتفعت تكلفة نقل النفط بنحو 0.4 إلى 0.6 دولار لكل برميل، إضافة إلى زيادة تتراوح بين 25 إلى 90 دولارًا لكل حاوية، نتيجة ارتفاع المخاطر التشغيلية.
وفي جانب الوقت، أوضح أن استمرار المرور عبر المضائق المتوترة يؤدي إلى تأخيرات تتراوح بين يوم إلى ثلاثة أيام بسبب الإجراءات الأمنية والازدحام، بينما يؤدي تحويل المسارات البحرية عبر طرق بديلة مثل رأس الرجاء الصالح إلى زيادة زمن الرحلة من 10 إلى 20 يومًا، وارتفاع المسافة بنسبة تصل إلى 50%.
وأضاف أن هذه التحولات ترفع التكلفة التشغيلية بشكل كبير، حيث تتراوح تكلفة تشغيل السفن يوميًا بين 50 ألف إلى 100 ألف دولار، ما يعني أن تغيير المسار قد يضيف ما بين 500 ألف إلى مليوني دولار على تكلفة الرحلة الواحدة.
وأشار إلى أن هذه المتغيرات فرضت ضغوطًا كبيرة على سلاسل الإمداد العالمية، من خلال:
• ارتفاع تكاليف الاستيراد (CIF)
• زيادة فترات التسليم (Lead Time)
• رفع مستويات المخزون الاحتياطي
• تراجع موثوقية جداول الشحن
وأوضح الحربي أن بعض الشركات الخليجية بدأت بالفعل في إعادة تموضع عملياتها، عبر تعزيز الاعتماد على النقل البري والجوي كحلول بديلة لضمان استمرارية تدفق السلع، رغم ارتفاع تكلفتها مقارنة بالشحن البحري.
وفي المقابل، أكد أن الاقتصاد السعودي يظهر قوة استثنائية وقدرة عالية على التكيف مع هذه المتغيرات، مدعومًا بركائز استراتيجية، أبرزها تنوع مصادر الدخل، وكفاءة إدارة الأزمات، والبنية التحتية المتطورة التي تدعم النشاط التجاري عبر شبكة متكاملة من المنافذ البرية والبحرية.
وأضاف أن السوق السعودي أثبت تماسكه مقارنة بالعديد من اقتصادات المنطقة، حيث لم تؤثر الزيادات في تكاليف الشحن بشكل جوهري على النشاط الاقتصادي، واستمرت القطاعات الحيوية مثل التجارة والصناعة والخدمات اللوجستية في العمل بكفاءة واستقرار.
وأكد أن القطاع المصرفي السعودي يلعب دورًا محوريًا في دعم هذا الاستقرار، من خلال توفير التمويل والخدمات المصرفية بكفاءة عالية، ما يعزز ثقة المستثمرين ويحد من أي اضطرابات محتملة.
وأشار إلى أن ما يميز الاقتصاد السعودي هو قدرته على امتصاص الصدمات، حيث لم تؤدِ التحديات المرتبطة بإعادة توزيع مسارات الشحن إلى تأثيرات كبيرة على الأنشطة التجارية، وهو ما يعكس مرونة الاقتصاد وسرعة تكيفه.
كما لفت إلى أن رؤية المملكة 2030 تؤدي دورًا محوريًا في تعزيز هذه المتانة، من خلال تسريع التحول الاقتصادي وتقليل الاعتماد على النفط، إلى جانب دعم نمو القطاعات غير النفطية مثل السياحة والخدمات اللوجستية والتقنية والطاقة المتجددة.
واختتم الحربي تصريحه بالتأكيد على أن موقع المملكة الاستراتيجي بين ثلاث قارات يمنحها ميزة تنافسية كبيرة في مجال الخدمات اللوجستية، مشيرًا إلى أن التحديات الحالية، رغم آثارها، تمثل فرصة لتعزيز دور الموانئ السعودية كمراكز محورية بديلة في المنطقة.
وشدد على أن إدارة المخاطر والتخطيط الاستباقي أصبحا عنصرين حاسمين، من خلال:
• التوسع في التأمين ضد المخاطر
• تنويع المسارات اللوجستية
• استخدام النقل متعدد الوسائط (بحري – بري – جوي)
• تطوير العقود لتشمل بنود الطوارئ والتقلبات
وأكد أن المرحلة الحالية تتطلب استراتيجيات أكثر مرونة واحترافية لضمان استدامة القطاع اللوجستي، والحفاظ على مكانة المملكة كمركز اقتصادي ولوجستي رائد على مستوى العالم.



